حسن ابراهيم حسن

214

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وهكذا شرع أبو بكر خليفة رسول اللّه للمسلمين آداب القتال ، فأوصاهم بالضعفاء خيرا ، وحثهم على أن يؤمنوا الناس على أموالهم وأرواحهم ، ولا يتعرضوا لشعائرهم الدينية . وكان أسامة ، ذلك الفتى اليافع والقائد الشاب والمسلم الورع ، خير من يقوم على تنفيذ هذه السياسة التي تتفق مع ما جاء به الكتاب والسنة . وهو يعتبر بحق مثلا رائعا ضربه ذلك الدين السمح وذلك النبي العربي الكريم وقام على تنفيذه خلفاء المسلمين وقوادهم المبرزون . وقد بعث انتصار أسلمة البشر في نفوس أهل المدينة بعد أن أحزنتهم حروب الردة وأصبح لانتصاره من الأهمية ما لا يتفق مع قيمته الحقيقية ، بل اعتبر فيما بعد فاتحة للحملة التي وجهت لغزو الشام . وجه أبو بكر همه بعد ذلك إلى إخماد الفتن والثورات الداخلية ليشغل العرب بالحروب الخارجية ، لأنها كانت تفي بما أمر به الدين من نشر الإسلام من جهة ، ولأنها كانت من جهة أخرى استغلالا صالحا لما جبل عليه العربي من حب القتال . لذلك لم يكد أبو بكر ينتهى من حروب الردة الطاحنة التي شها على العرب المارقين ، حتى أرسل تلك الجيوش وزودها بالأمداد يتلو بعضها بعضا لفتح البلاد ونشر الإسلام فيها : فأنفذ خالد بن الوليد إلى الحيرة ودعا المقاتلين من أرجاء الجزيرة العربية للجهاد في سبيل اللّه ، وأنفذهم إلى بلاد الشام . وإن توجيه أبى بكر الجيوش لغزو دولتي الفرس والروم في وقت واحد ، مع ما كان لهاتين الدولتين من الملك وبسطة النفوذ ووفرة الثروة ، ليدل على حسن سياسته وقوة عزيمته . غير أننا لا نعجب إذا عرفنا أن هاتين الدولتين ، وإن كانتا مضرب الأمثال في الأبهة والعظمة ، إلا أن هذا كله كان أمرا ظاهريا فقط . فقد أضعفهما استبداد الملوك والبذخ والخلافات الدينية والتنافس على الملك ، على حين ألف الإسلام بين قلوب العرب ، فوجد أبو بكر في الأمة العربية الفتية المؤلمة بالحرب المنقشفة في طعامها ولباسها مع ما عليه رجالها من شدة الإيمان والحرص على الاستشهاد في سبيل نصرة الدين خير معين للقضاء على مائين الدولتين .